قرصان الكاريبي.. أميركا تُرعِب العالم

قرصان الكاريبي.. أميركا تُرعِب العالم

  • ٠٤ كانون الثاني ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

العالم يُدفَع إلى مرحلة جديدة. مرحلة ما بعد القواعد، حيث القانون يُستَخدم حين يخدم، ويُتجاوز حين يعيق. هذه ليست سياسة خارجية، بل مسرح رعب كامل.

المشهد سريالي بكل معنى الكلمة. رئيس دولة يُنتزع من عاصمته، لا على يد انقلاب محلي ولا بفعل حرب شاملة، بل بقرار أميركي بارد، محسوب، ومباشر. نيكولاس مادورو وزوجته في عهدة الولايات المتحدة، بانتظار محاكمة تحمل أكثر من معنى سياسي. هنا، لا تعود المسألة فنزويلا، ولا مادورو، ولا حتى السطوة على البحر الكاريبي، بل الولايات المتحدة كما تريد أن تُرى؛ قوة لا تفاوض حين تقرر، ولا تشرح حين تنفذ.

في الأساطير البحرية، القرصان لا يحكم البحر لأنّه الأكثر أخلاقاً، ولا حتى الأكثر قوة، بل لأنّه الأكثر جرأة على خرق القواعد. وأميركا «الترامبية»، في هذا المشهد، لا تتصرف كدولة تسعى إلى شرعية دولية، بقدر ما تتصرف كقوة تريد تذكير العالم بأنّ الشرعية تُنتَزع بالقوة حين يلزم الأمر.

قال ترامب ما أراد قوله بأقصى درجات الفجاجة السياسية. انتهى زمن التردد. لا محاكم دولية، ولا مسارات طويلة، ولا انتظار توازنات. هناك خصم، وهناك قرار، وهناك تنفيذ. بهذا المعنى، لا يهم إن كان مادورو ديكتاتوراً أو منتخباً، شرعياً أو معزولاً. المهم أنّ المثال وُضع على الطاولة، وأن السقف الذي كان قائماً سقط دفعة واحدة.

القوة الأميركية هنا لا تُقاس بعدد الجنود، بل بقدرتها على كسر المحرمات. ما كان يُعتبر سابقاً «خطاً أحمر» في العلاقات الدولية (اعتقال رئيس دولة ونقله إلى محكمة أميركية) يُعاد تقديمه كأداة ضغط مشروعة. العالم يُدفَع إلى مرحلة جديدة. مرحلة ما بعد القواعد، حيث القانون يُستَخدم حين يخدم، ويُتجاوز حين يعيق. هذه ليست سياسة خارجية، بل مسرح رعب كامل.

الدول الصغيرة تفهم الرسالة فوراً. الحماية الدولية وهم، والحياد هش، والمراهنة على الزمن قد تكون انتحاراً مؤجلاً. أما الخصوم الكبار، فيقرؤون المشهد بقلق أشد، إذا سقطت كاراكاس بهذه السهولة، فأي عاصمة محصّنة حقاً؟ في هذا السياق، ترامب لا يخاطب مادورو، بل يخاطب بكين وموسكو وطهران. يقول لهم إنّ أميركا لا تزال قادرة على الضرب خارج قواعد اللعبة، وإنّها مستعدة لإعادة تعريف «المسموح» بالقوة. هو لا يبني نظاماً عالمياً جديداً، بل يهدم ما تبقى من أوهام النظام القديم. أميركا اليوم قوة فوق القانون تُمسك بالدفة وتلوّح بالسيف.

في عالم كهذا، لا تعود الدول تُقاس بحجم اقتصادها ولا بعدد سكانها، بل بمدى قربها أو بعدها عن غضب القرصان. من يُبحر تحت الراية الأميركية ينجو مؤقتاً، ومن يخرج عن المسار يُترك عارياً في عرض البحر.

الأخطر أنّ هذا النموذج لا يكتفي بإرهاب الخصوم، بل يُربك الحلفاء أيضاً. فالحليف، حين يرى رئيس دولة يُسحب من قصره كما تُسحب غنيمة، يدرك أنّ الحماية ليست عقداً أخلاقياً، بل مصلحة مؤقتة. اليوم مادورو، وغداً قد يكون أي إسم آخر إذا تغيّرت الحسابات.

ترامب، في هذا المشهد، لا يحتاج إلى خطاب تبرير. الفعل نفسه هو الخطاب. ومن بعدها صمت ثقيل، حيث يترك للعواصم أن تُفسِّر، وأن تخاف، وأن تُعيد حساباتها. هذه ليست دبلوماسية الردع، بل دبلوماسية الإذلال المقصود، حيث يُراد للخصم أن يُهزم نفسياً قبل أن يُهزم سياسياً.

مع ترامب، لم يعد السؤال: هل ما جرى قانوني؟ بل، من يملك القدرة على الفعل؟ الفارق بين أميركا الأمس وأميركا اليوم أنّه يكفي أن تُعلّق رأساً واحداً على سارية الخوف، ليُتقن الباقون الطاعة. هكذا تُدار الإمبراطوريات الحقيقية حين تشبع من التبرير وتكتفي بالقوة.

لم يعد هناك نظام دولي، بل مزاج قوة. لم يعد هناك قانون، بل توقيت. ولم يعد السؤال، من المخطئ ومن الضحية؟ بل، من التالي؟

لهذا العالم ربّ واحد… لا يُصلّى له، بل يُخاف منه. وإسمه أميركا.