نهاية الصمت الرئاسي: جوزاف عون وملف سلاح حزب الله

نهاية الصمت الرئاسي: جوزاف عون وملف سلاح حزب الله

  • ١٢ كانون الثاني ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

من جمال عبد الناصر إلى صدام حسين، ومن ياسر عرفات إلى معمر القذافي، وصولاً إلى حماس، يتكرر النمط نفسه: إنكار الهزيمة حتى لحظة السقوط الكامل

شكّل خطاب الرئيس جوزاف عون الأخير على الشاشات اللبنانية محطة مفصلية في مقاربته لملف سلاح حزب الله. فبعيداً عن اللغة الرمادية التي طبعت مواقفه منذ وصوله إلى الرئاسة، جاء هذا الخطاب ليكون الأكثر وضوحاً وحدّة، ليس فقط في توصيف الأزمة، بل في تحديد جوهرها: سلاح خارج الدولة، وقرار سيادي مصادَر، وبلد يُدفع مجدداً نحو حافة الانفجار.

توقيت الخطاب لا يقل أهمية عن مضمونه. فقد أتى بعد تصعيد غير مسبوق مع إسرائيل، تُرجم بأكثر من خمسين غارة جوية خلال أقل من 48 ساعة على الأراضي اللبنانية. هذا الحجم من الضربات لا يمكن قراءته كرسالة عسكرية معزولة، بل كإنذار سياسي - أمني بأن لبنان بات مكشوفاً بالكامل، وأنّ هامش المناورة يضيق إلى حد الخطر.

خلال السنة الماضية، كرّر الرئيس عون أكثر من مرة أنّ الدولة يجب أن تكون الجهة المسلحة الوحيدة، وأنّ حصرية السلاح شرط لبقاء الكيان. لكنه تعمّد، في كل تلك المواقف، تجنّب مهاجمة حزب الله مباشرة. لم يكن ذلك تردداً، بل خياراً محسوباً: إعطاء الحزب فرصة للخروج التدريجي من معادلة السلاح، بطريقة تحفظ الكرامة السياسية والاجتماعية، وتحمي البيئة الشيعية من منطق الكسر والإذلال. الرهان كان واضحاً: تفادي الصدام الداخلي، وفتح باب تسوية لبنانية – لبنانية.

غير أنّ هذا الرهان سقط عملياً. فمواقف قيادة الحزب، ولا سيما تصريحات نعيم قاسم، كانت قاطعة: لا نزع للسلاح شمال نهر الليطاني، ولا استعداد للتخلي عن المنظومة العسكرية القائمة. هذا التعنّت، في ظل توازنات إقليمية متغيّرة وضغط عسكري متصاعد، لا يعني سوى أمر واحد: تحميل لبنان كلفة قرار لا يملكه، ودفعه نحو مزيد من الدمار والعزلة.

خطاب عون جاء إذاً كإعلان فشل لمرحلة الفرص، وبداية مرحلة تسمية الأمور بأسمائها. فحين يرفض طرف مسلح أي تسوية داخلية، ويصرّ على الإحتفاظ بقرار الحرب والسلم، يصبح البلد كله رهينة، وتتحول الدولة إلى شاهد عاجز على انهيارها التدريجي.

هذا السلوك ليس جديداً  في التاريخ السياسي العربي. من جمال عبد الناصر إلى صدام حسين، ومن ياسر عرفات إلى معمر القذافي، وصولاً إلى حماس، يتكرر النمط نفسه: إنكار الهزيمة حتى لحظة السقوط الكامل. نادراً ما تعترف الأنظمة أو الحركات المسلحة بالهزيمة في وقتها، وغالباً ما يكون الثمن دولة مدمّرة ومجتمعاً مكسوراً.

ما يحذّر منه خطاب عون، ضمناً، هو أنّ حزب الله يسير على الطريق ذاته. طريق العناد، ورفض قراءة التحولات، والتشبث بسلاح بات عبئاً على حامليه قبل خصومهم. الفارق الوحيد أن لبنان، بخلاف تلك التجارب، لا يملك عمقاً ديموغرافياً أو اقتصادياً يمتص الصدمة.

في الخلاصة، لم يكن خطاب الرئيس مجرد موقف سياسي، بل جرس إنذار أخير. إما تسوية داخلية تعيد القرار إلى الدولة، أو استمرار في مسار يقود حتماً إلى مزيد من الضربات والخراب. التاريخ واضح، والتجارب قاسية، ومن يرفض الاعتراف بالهزيمة في وقتها، غالباً ما يفرضها على شعبه كاملة، دفعة واحدة.