روسيا تدخل الحرب استخبارياً.. والصين تحسب خطواتها. فهل نحن أمام حرب عالمية ثالثة؟

روسيا تدخل الحرب استخبارياً.. والصين تحسب خطواتها. فهل نحن أمام حرب عالمية ثالثة؟

  • ٠٧ آذار ٢٠٢٦
  • تيريزا كرم

لم تعد الحرب الدائرة حول إيران مجرد مواجهة إقليمية محدودة. فالتقارير الاستخباراتية والتقديرات الدولية تشير إلى دخول قوى كبرى إلى المشهد، وإن بشكل غير مباشر، ما يطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كان العالم يقترب من مرحلة جديدة من الصراعات الدولية التي تُدار من خلف الستار.

لقد كشفت صحيفة «واشنطن بوست» أنّ روسيا تقدم لإيران دعماً استخباراتياً في حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، عبر تزويدها بمعلومات حساسة تساعدها في استهداف القوات الأميركية في الشرق الأوسط. ونقلت الصحيفة عن ثلاثة مسؤولين مطلعين على المعلومات الاستخباراتية أنّ موسكو زودت طهران منذ بداية الحرب ببيانات تتعلق بمواقع السفن الحربية والطائرات الأميركية المنتشرة في المنطقة.

ويقول المسؤولون إنّ هذا التعاون الاستخباراتي قد يمنح إيران قدرة أكبر على تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف عسكرية أميركية، خصوصاً في ظل محدودية القدرات الفضائية الإيرانية. فإيران لا تمتلك سوى عدد محدود من الأقمار الصناعية العسكرية، كما أنّها تفتقر إلى شبكة فضائية متكاملة تتيح لها مراقبة التحركات العسكرية الأميركية بدقة.

وهنا تظهر أهمية الدعم الروسي. فموسكو تمتلك قدرات فضائية واستخباراتية متقدمة، تعززت بشكل كبير خلال حربها في أوكرانيا، حيث طورت خبرة واسعة في مجال الاستهداف الدقيق وجمع المعلومات من الأقمار الصناعية. وتشير تقديرات خبراء عسكريين إلى أنّ حصول إيران على هذه المعلومات قد يفسر دقة بعض الهجمات التي استهدفت أنظمة الرادار ومنشآت القيادة والسيطرة التابعة للقوات الأميركية في المنطقة.

وترى الصحيفة أنّ هذا التعاون يمثل أول مؤشر واضح على انخراط روسيا في الحرب بشكل غير مباشر، في إطار ما يعرف بحروب الوكالة بين القوى الكبرى. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، أصبحت هذه الصيغة أكثر وضوحاً في العلاقات الدولية؛ إذ قدمت دول الدعم لروسيا مثل إيران والصين وكوريا الشمالية بطرق مختلفة، في حين قدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها دعماً عسكرياً واستخباراتياً ضخماً لأوكرانيا.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الدعم الروسي لإيران باعتباره نوعاً من «رد الجميل»، كما وصفه أحد المسؤولين الأميركيين، في إشارة إلى الدور الذي لعبته طهران في مساعدة موسكو خلال حرب أوكرانيا، خصوصاً عبر تزويدها بطائرات مسيّرة انتحارية منخفضة الكلفة استخدمت بكثافة في مواجهة الدفاعات الأوكرانية.

ومع ذلك، لا يبدو أنّ روسيا مستعدة للذهاب أبعد من هذا المستوى من الدعم. فموسكو تدرك أنّ الدخول العسكري المباشر إلى جانب إيران قد يؤدي إلى مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، وهو سيناريو لا ترغب فيه في ظل انشغالها بحرب طويلة ومكلفة في أوكرانيا. لذلك تفضّل روسيا، على الأرجح، البقاء في موقع الداعم غير المباشر، مستفيدة في الوقت نفسه من بعض تداعيات الحرب، مثل ارتفاع أسعار النفط والغاز الذي يعزز عائداتها الاقتصادية.

في المقابل، يختلف موقف الصين بشكل واضح عن الموقف الروسي. فرغم العلاقات الوثيقة بين بكين وطهران، اختارت الصين حتى الآن الابتعاد عن أي انخراط عسكري في الصراع.

فبعد الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، استغرقت بكين عدة ساعات قبل إصدار أول موقف رسمي، اكتفت فيه بالتعبير عن «قلقها البالغ» والدعوة إلى وقف فوري للعمليات العسكرية واستئناف الحوار. وفي اليوم التالي، أدان وزير الخارجية الصيني وانغ يي الهجمات ووصفها بأنّها «غير مقبولة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة العودة إلى المسار الدبلوماسي.

ويعكس هذا الموقف الحذر طبيعة السياسة الخارجية الصينية، التي تميل تقليدياً إلى تجنّب التدخل العسكري المباشر خارج محيطها الجغرافي. فالصين، رغم تنامي قدراتها العسكرية، لا تزال تركز بشكل أساسي على حماية مصالحها في آسيا، خصوصاً في ملفات حساسة مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي. كما أنّ بكين لا ترغب في لعب دور «الضامن الأمني» في مناطق غير مستقرة مثل الشرق الأوسط، حيث تتشابك الصراعات الإقليمية والدولية بشكل معقد. ولذلك تميل الصين إلى استخدام أدوات النفوذ الإقتصادي والدبلوماسي بدلاً من القوة العسكرية المباشرة.

إلى جانب ذلك، تلعب العلاقات الصينية الأميركية دوراً مهماً في حسابات بكين. فمع اقتراب موعد زيارة مرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين، تسعى القيادة الصينية إلى تجنّب أي تصعيد قد يفاقم التوتر مع واشنطن. وبالنسبة لصناع القرار في بكين، تبقى العلاقات مع الولايات المتحدة أكثر أهمية بكثير من العلاقة مع إيران، سواء على صعيد التجارة العالمية أو في الملفات الاستراتيجية الكبرى.

وتُضاف إلى هذه الاعتبارات مسألة أمن الطاقة. فالصين تعتمد بدرجة كبيرة على النفط القادم من الشرق الأوسط، إذ تستورد أكثر من نصف احتياجاتها النفطية من هذه المنطقة. ورغم أنّها تُعد أكبر مستورد للنفط الإيراني، فإنّ بكين عملت خلال السنوات الماضية على تنويع مصادر الطاقة لديها، ما يمنحها هامشاً من المرونة في حال تعطل الإمدادات الإيرانية.

لكن الخطر الأكبر بالنسبة للصين لا يتمثل في فقدان النفط الإيراني بحد ذاته، بل في احتمال الإقفال الكلي لمضيق هرمز وضرر منشآت الطاقة في الخليج. فأي اضطراب كبير في هذه المنطقة قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة وإلى أزمة إقتصادية عالمية، وهو ما تسعى بكين بكل الوسائل إلى تجنبه.

لهذا السبب، يرى كثير من المحللين أنّ الصين تفضّل إنهاء الحرب بسرعة بدلاً من الإنخراط فيها. فهي قد تقدم دعماً دبلوماسياً أو إقتصادياً لإيران، لكنها على الأرجح ستتجنب أي دعم عسكري مباشر قد يضعها في مواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها.

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أنّ الصراع الحالي يعكس مرحلة جديدة من التنافس بين القوى الكبرى، حيث تُدار المواجهات عبر حروب بالوكالة ودعم غير مباشر بدلاً من الصدام العسكري المباشر. غير أنّ التاريخ يثبت أنّ مثل هذه الصراعات قد تتوسع بسرعة إذا خرجت عن السيطرة.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل ستبقى القوى الكبرى مكتفية بالتدخل من خلف الستار، أم أنّ مسار الحرب قد يدفعها في لحظة ما إلى مواجهة مباشرة تعيد رسم خريطة الصراع الدولي؟